المرأة الإفريقية من الألوهية إلى العبودية !! / بقلم: الأستاذة مكفولة آكاط

ثلاثاء, 07/03/2018 - 23:17

لم يكن الإنسان الإفريقي الأول يدرك الصلة بين التواصل مع المعبود والولادة، فدفعه ذلك أن يعتقد أن المرأة وحدها هي التي تصنع الحياة الجديدة من خلال التواصل مع واهب الحياة الأوحد !!.

وشكل ذلك الاعتقاد أحد أوائل المفاهيم عن الإله باعتباره أُمًاً حافظة حنونةً وكريمة تفيض حباً وقوة، وقد عرف من وثائق ومخطوطات قديمة أن النساء الإفريقيات كن يتولين إدارة الممتلكات الخاصة والتصرف بها، بما في ذلك: الأراضي والسلع المحمولة والخدم والرقيق والماشية والأدوات المالية، مثل الهبات والوقفيات والسنويات. وكان باستطاعة تلك النسوة أن يدرن تلك الممتلكات بشكل مستقل وبملئ إرادتهن.

 وفي العديد من المقابر التي جرى نبشها، كانت القبور الأكثر ثراء هي تلك التي تعود لنساء...!ولكن عبر التاريخ تراكمت عوامل كثيرة و معقدة أدت الى استعباد المرأة و التقليل من شأنها، من تلك العوامل : 
 الملكية الخاصة : إذ أن بداية استعباد المرأة بدأت بسبب عامل القوة العضلية للرجل و بسبب الملكية الخاصة... حيث انه عندما استولى الرجل على الملكية الاقتصادية استعبد من هم أضعف منه و استخدمهم كعاملين لديه....

 ومع دخول صكوك الملكية أصبح الرجال المالكين الوحيدين للأرض. 
وتبعاً لذلك، ونظراً لفقدان النساء الوصول والسيطرة على الأرض، أصبحن بازدياد معتمدات اقتصادياً على الرجال. رغم ذلك فرضت النساء لأنفسهن مكانة في عالم التجارة في إفريقيا إذ لم تكن الأسواق تضبط بقيم الربح الصرف فقط، وإنما بالحاجة الأساسية إلى التبادل والرفاه والنشاط المجتمعي ومع دخول الاستعمار ازداد تكريس هيمنة الرجل في إفريقيا بانخفاض الأهمية الملموسة للمساهمة الزراعية التي كانت تقدمها المرأة للمحيط على نحو كبير، نظراً لأن دورهن المحوري في إنتاج الغذاء اختفى خلف زراعة المحاصيل الجالبة للنقود، الأكثر إغراء للسوق ، والتي يهيمن عليها الرجال.. وحلت المرأة الافريقية محل العبد المحلي الفقير الذي بلا أرض. فكما استعبد الرجل من هم اضعف منه بسبب الملكية الاقتصادية و استخدمهم كعاملين لديه استبعد المرأة كي تلبي له جميع رغباته و نزواته...
العولمة : جاءت العولمة في العصر الحديث وهي استعمار بطعم الصناعة وبعد تحويلها العالم إلى مصنع وسوق اختارت للمرأة أن تكون الوسيط بين السوق والصناعة  ليس من خلال إمكانياتها الفكرية وقدراتها المهنية، ولكن من خلال توظيف الجسد لضمان التصاعد المستمر للرغبات الاستهلاكية بواسطة الترويج للسلع والمنتوجات فحولت جسد المرأة إلى وحدة اقتصادية تعمل على تعظيم الربح وجلب المزيد من الفائدة، نازعة بذلك القداسة عن جسد المرأة من خلال تحييد المضمون الأخلاقي لوظيفة المرأة، فهناك وظائف كانت مشينة وهامشية أصبحت مقبولة، بل مرغوبة، ومن ثم أصبحت المرأة تُعرف في كثير من الأحيان والمجالات من خلال حدود الجسد وما يوفره من امتيازات تلبية للأبعاد الاقتصادية في العولمة لذلك لابد أن يكون هناك صناعة تتناسب مع هذا الجسد "المُعَوْلَمْ"، ، وصار في هذا النموذج المعولم تسويق للمساحيق، تسويق للأدوية، وتسويق للجراحة التجميلية في ما أصبح يعرف بصناعة الجمال ,كل هذا من أجل الربح الوفير الذي من الممكن أن تربحه هذه المصانع العابرة للقارات،  فكان استخدام المرأة من أجل المكاسب،  وتم اعتماد تغيير الموضة، في كل فصل  مرتين أو ثلاث ليس  من أجل أن تبدو المرأة  جميلة، أبداً، بل من أجل أن تكسب هذه الشركات التي تعرض الأزياء، والتي تصنع المساحيق للنساء، ونشاهد أيضاً أنه جرى تعميم النموذج المثالي لجسم المرأة ومقاييسه ومعاييره، وما يجب أن يظهر من هذا الجسد وما يجب أن يختفي منه، عبر مئات الآلاف من الصور، وعروض الأزياء، والأفلام، وأغلفة المجلات، وأصبح أخطر ما في الأمر أن جسد الأنثى أصبح مثالاً يمكن أن يتحول إلى حقيقة، وأصبح الجمال يدخل ضمن مفهوم تغيير الجسد ليس من خلال تطبيق  نظام غذائي، بل من خلال الجراحة التجميلية التي لا تشمل التشوهات الخلقية، بل هي عمليات تجميل محصورة فقط في الشد والحقن و تكبير الصدرو تصغيره، وعمليات تغيير الجلد ..ألخ، أصبح الجسد إذا -وليس المؤهلات الأخرى - هو الطريق إلى الوظيفة، فأصبح هو معيار قبول ونجاح المضيفات، والسكرتيرات، والممثلات، وحتى مديرات التسويق، وموظفات الاستقبال، 
إن أكثر المصانع والشركات والبنوك والفنادق -إن لم تكن جميعها-  تؤمن أن الجسد هو المعيار الحقيقي لاختيار المرأة كعاملة، وليس روح هذه المرأة، وليس إنسانيتها، وليس عقلها، ومؤهلاتها العلمية وخبراتها هنا أريد فقط أن أذكر بالرسالة التي تركتها الممثلة المشهورة (مارلين مونرو)، التي كما نعلم أنها توفت منتحرة، وقالت في الرسالة التي كتبتها قبل أن تضع  حداً لحياتها، قالت: "يا نساء العالم إحذرن من المخرجين والمنتجين فإنهم يريدون أن يتاجروا بجسدكن...!!."
لقد نجحت بعض الدول الافريقية في إقامة صناعات أولية وأخذت تلك المصانع النساء من بيوتهم، وذهبوا إلي المصانع، ونظر بعض الناس إلي ذلك أنه عمل للمرأة، لكن الحقيقة أن هذه المرأة تستغل من الساعة الثامنة صباحا حتى الثامنة مساءا، تخرج من بيتها وتكابد كل تلك المصاعب لتحصل في النهاية على راتب أقل من 100 دولار، ومع ذلك فهي تصنع مواد لا تستخدمها لا هي ولا مجتمعها بل تصدر للخارج بأسعار منخفضة جداَ. 
ولا أدل على تجذر مبدأ الإستغلال الفظيع للمرأة في ظل العولمة المتوحشة من التقرير الأخيرالذي نشرته مجلة فوربس عن كون الممثلين الذكور في هوليوود يتقاضون ثلاث أضعاف ما تتقاضاه نجمات التمثيل  وكون النجمات من أصول إفريقية أو عربية يعتبرن أقل أجرا من نظيراتهن ...!!
مع ذلك لا يصح أن نتحدث عن العولمة وكأنها مؤامرة موجهة ضد المرأة الإفريقية أو نظام أسس ضدها ,بل إن العولمة هي حالة تطور تقني وصناعي، وتطور في وسائل الاتصال أوصلتنا إلى ما أوصلتنا إليه، والدول الأقوى والأكثر نفوذاً شكلت مؤسسات استطاعت من خلالها التحكم بالعالم،  إن العولمة هي حالة وصل إليها الإنسان فرضت أن تكون هناك مصانع ومؤسسات بحاجة إلى أيدي عاملة وبطبيعة الحال ستحاول أن توظف الأرخص والأنسب لها والذي يستطيع أن يوفر ما يمكن توفيره كي تصبح الأرباح أكثر، يعني أن الضعفاء يتراجع وضعهم مع العولمة، والمرأة هي الأضعف، المرأة هي الأقل مهارة، الأقل تعليماً في كل العالم، وهي أيضاً الأكثر فقراً، وبالتالي فبطبيعة الحال سيتم استغلال الأضعف، يعني الرجل الأضعف سيتم استغلاله والمرأة الأضعف سيتم استغلالها، لذلك كانت هي الضحية الأولي. 
وفى السنوات الاخيرة احتلت النساء بعض المناصب السياسية المتقدمة فى أغلب الدول الافريقية وحطمن السقف الزجاجى الذي كان يحول بينهن وممارسة السياسة إلا أن  أصواتهن بقيت غير مسموعة ومساهماتهن  ظلت هامشية إلا بعض الأصوات النادرة في مناصب قيادية فى البرلمانات الافريقية قدمن من خلالها رؤى وأفكار ناضجة من شأنها أن تؤثر على توجهات السياسة فى الدول الأفريقية وتدفع بها نحو الأحسن، وقد خاضت النساء الإفريقيات غمار السياسة رغم ما يعانينه من تمييز ففي أغلب الأحيان تكون المعركة الانتخابية ضد الرجال غير عادلة حتى أن الحال قد يصل ببعضهن أن يعجزن عن سداد تكاليف حملاتهن الانتخابية أحرى عن منافسة الرجال في ميادين أخرى اقتصادية وغيرها!!!
وهنا يكمن التهديد الأكبر الماثل أمام تحقيق مستقبل مشرق للمرأة إفريقيا عدى عن جهلها لماضيها المجيد. على الأفارقة اليوم  بعد أن زاروا موريتانيا التي تعتبر إحدى أكثر الدول الافريقية تقديرا للمرأة وهو ما تشهد عليه المكانة الكبيرة والتطور المهم الذي شهده المشهد النسوي في ظل السنوات الأخيرة.  على الأفارقة إذا أن يقاتلوا بكل قوتهم لإعادة النساء إلى موضع الاحترام والحرية الفكرية و الاقتصادية والسياسية الذي يسمح لهن بالمشاركة بقوة وفاعلية في خلق التنمية في إفريقيا فلا يمكن أن نحلم بتنمية للقارة لا تنطلق من تنمية المرأة الإفريقية  أولا.