مصدر: “موريتانيا تعيش وضعا غير طبيعي”

يكاد الإجماع يحصل بين مختلف نخب هذا القطر على أن البلاد تعيش منذ انقلاب أغسطس 2008 وضعا غير طبيعي ، فإضافة إلى ترهل البنى الاقتصادية والاجتماعية فقد توقفت بشكل تام أو كادت جميع مظاهر المشاركة السياسية للقوى المعارضة التي كانت إحدى الفضائل القليلة لنظام ما قبل الانقلاب المذكور، فعلى الرغم من كون السلطة الجديدة قد انبثقت عن حوار داكار ونظمت حوارين لاحقين اختلفت إزاءهما المواقف، إلا أنها لم تضع أيا من نتائج تلك الحوارات، باستثناء ما تعلق بالعبث بالدستور ، على قائمة جدول التطبيق الذي بدا مشحونا بمشاريع تأكد بُعدها من الدقة، وميلها إلى طابع دعائي لا يلمس المواطن له أثرا في حياته اليوميه: فالأسعار تواصل ارتفاعها الصاروخي ، والمردود الكمي لما بات يعرف بمشروع (الأمل) يتراجع كل يوم حيث تناقصت الحصص المخفضة مرتين عما كانت عليه عند انطلاقة المشروع، في وقت تأكد فيه أن عرى التضامن الخاص الذي ميز المجتمع الموريتاني قد أشرفت على الانفصام بفعل الضغط القوي الذي تمارسه السلطات من خلال ضرائبها المجحفة وغير العادلة على الموسرين ، وبفعل انتشار الكراهية والحقد الناتجين عن “ربيع ” الفئوية والشرائحية الذي ساهمت السلطة في انتشاره من خلال دعم بعض ممن يروج له ، وكذلك من خلال سياسة مرتجلة لا تأخذ في الحسبان التوازنات الكبرى على مستوى المجتمع والتي سيؤدي اختلالها في وقت تفقد فيه السلطة مصداقيتها إلى انفلات خطير لم تعد بوادره خافية على أحد.
ثم أن الانتشار المروع لجرائم السرقة والقتل والاغتصاب وتعاطي المخدرات كلها أمور تنذر بأن الوضع الأمني قد بات خارج السيطرة ، إضافة إلى العودة الواسعة إلى خطابات ما قبل الدولة الحديثة والتي تجد مباركة أو تجاهلا من قبل السلطات الحاكمة، وإذا تذكر الناس أنه قبل أزيد من سنة كانت بعض ثانويات القطر في أنواكشوط وخارجه مسرحا لترويج المخدرات وساحة للقتل ، فإن ذلك ينذر بأن الجريمة قد أصبحت من قوة انتشارها متداولة بشكل طبيعي حتى في الفضاء الذي يعتقد أنه محصن ضدها ، وينبغي أن لا يستغربوا ذلك فالمنظومة التربوية تعيش حالة انحدار مروع ، فمستويات التلاميذ تعرف تدنيا شاملا ناتجا عن اجبارهم على التعلم بلغة غير لغتهم الأصلية ، إضافة إلى المناهج غير الملائمة التي تخضع لسياسة استيراد تنتقي كل النسخ الرديئة للخطط التربوية في العالم في وقت لا يخضع فيه المدرسون لأية مراقبة ولا يستفيدون من أي تكوين ويتم التلاعب الفج بالضئيل المخصص لهم من الأجور والعلاوات .
إزاء هذا الوضع الكارثي على جميع المستويات صار من اللازم البحث عن مخرج جديد يصون للمجتمع وحدته ويضمن للدولة بقاءها الذي بات مهددا بفعل كل تلك الصعوبات ، ولذلك فإن السؤال الجوهري الآن هو كيف يمكننا أن نتصور البديل ؟ مما صار متعارفا عليه في مجتمعات العالم الثالث ، أو في منكبها الإفريقي على الأقل ، أن الظروف عندما تتعقد تشرئب الأعناق إلى واحد من حلّين :
انقلاب عسكري يطيح برموز النظام القائم ويحتفظ بجوهر النظام ويبقي على مساوئه القديمة ويباشر في انتاج مساوئ جديدة تمثل خصوصية المنقلبين ، وأعتقد أن الذين يتمنون زوال النظام بهذه الطريقة أو يسعون إليه هم أناس قد فقدوا الأمل والإحساس بكرامة الضمير. أما الحل الآخر فهو الاستقواء بالأجنبي وفي ذلك ما يشاهد من دمار وخراب عم في بلدان شقيقة جراء سياسة الاستقواء التي تكون فيها أجندة الأجنبي النابعة من مصالحه هي الأولى …
لذلك فإن القوى الحية في المجتمع – الشباب والسياسيين غير التقليديين – مطالبة باجتراح طريق جديد يمكن من التخلص من الوضع الراهن ويقطع تماما مع جذوره في الوقت الذي لا يتضرر فيه الانسجام الداخلي ولا يفقد المجتمع استقراره ، ولا يمكن أن يحصل ذلك إلا من خلال فعل جماعي مبدع ، فأزمة الفعل السياسي عندنا اليوم تتمثل في العجز عن إبداع طرق جديدة ومؤثرة . فقد صار واضحا أن الصراخ الإعلامي أو السعي المتكرر بين المسجدين لن يغيرا سياسة النظام التي أخذت مع البدء بالتلاعب بالدستور مسارا جديدا صارت معه كل الاحتمالات ممكنة بما فيها انفراط عقد المجتمع وزوال الدولة القائمة التي ينتظر منها تنظيم وتسيير تناقضات المجتمع في وقت لا تولي فيه الطبقة السياسية الجديدة عناية كبيرة لهذا المسار القائم على التناقض الخطير بين مصالح المجتمع وسياسات الدولة ، بل ربما لا تملك تلك الطبقة التي ولد أغلبها إثر دعوة حكومية القدرة على استشراف ما يمكن أن يترتب على ذلك التناقض الذي قد يصل إلى درجة تجعلنا مضطرين إلى الاختيار بين بقاء المجتمع وبين استمرار وجود الدولة كما نبه إلى ذلك مرارا المفكر القومي الكبير الأستاذ محمد يحظيه ولد أبريد الليل في أكثر من مناسبة حين أكد ان التقليد ” الدولتي ” في هذه الربوع لا يجد العمق التاريخي الكافي لضمان استمراره ضمن تعقيدات الوضع الوطني والإقليمي والدولي الراهن الذي يتميز بكون الصراعات الجديدة غير قابلة للحسم ، إضافة إلى أن تجارب الدول في غرب الصحراء الكبرى لا تقدم مستوى كافيا من التشجيع …
هذا الإنذار الذي يصدر من وقت لآخر من هذا المفكر لم يجد بعد ما يكفي من التأمل والتحليل لأن أغلب الساسة ممن يعتنون بأمور العقل هم الآن على هامش الحياة العامة وخصوصا نسختها الرسمية التي تضج بمن تستعجلهم المصالح فلا يرون في الدولة إلا بقرة حلوبا يمكن نفض اليد منها في الوقت الذي تعجز فيه عن تلبية ما يطلبون . أمام هذه الوضعية لا بد من إعادة التفكير من خلال توجيه النقاش إلى محاولة الجواب على الأسئلة التالية : – هل يمكن أن يرغم حراك شبابي هادئ يأخذ شكل اعتصامات في كبريات المدن أو يتجسد في مسيرات راجلة على خطوط مختلفة وطويلة النظام على تغيير أجندته الأحادية ؟ – هل يمكن أن تمثل الدعوة لمؤتمر عام للنخب الجادة أساسا لبناء عقد اجتماعي وسياسي يؤسس لعلاقة ايجابية جديدة بين الدولة والمجتمع ؟ وما هي الجهة التي يمكن أن تجد دعوتها لمؤتمر كهذا صدى مقبولا ؟ ومن هم يا ترى أفضل من يدعون لهذا التفكير ؟
هل صار لازما إعادة التفكير في طبيعة النظام السياسي وفي شكل الدولة القائمة بعد عقود على وجودها ، وبعدما تأكد فشلها في أداء مهمتها الأساسية المتمثلة في توفير العدل ورعاية المواطن ؟ – هل الحفاظ على الدولة الحالية وفي حدودها الراهنة بشكل يخدم المجتمع أمر ممكن ؟ وهل هو ضروري في حد ذاته حتى يتطلب من الوطنيين التضحية من أجله ؟ تلك نماذج من أسئلة كثيرة يوحي بها وضع سياسي واجتماعي يزداد تعقيدا مع تفاقم المصاعب الاقتصادية واستمرار أزمة الفرقاء السياسيين ، ولعلنا بنقاشها وإضافة ونقاش غيرها نهتدي إلى بداية الطريق
** ملخص ورقة قدمها عضو لجنة التكوين السياسي في حزب الصواب، الأستاذ سيدي ولد سيد أحمد، مساء 18، صبيحة 19 يونيو 2017 في الجلسة الثالثة من حلقات (سمر الرفاق) الذي تقيمه المنظمة الشبابية للحزب.
الصواب