إلى عقلاء تواصل

جمعة, 11/30/2018 - 14:08

الاختلاف ظاهرة إنسانية صحية، وهو ثراء وتنوع فيما كان من قبيل الجزئيات والتتمات، أما الأسس والمرتكزات وكبرى القضايا فتحتاج انسجاما واتحاد رؤية، إذ طالما سبب النزاع حولها انشطارات ميوزية للتنظيمات والأحزاب، وهو الأمر الذي يجب أن يحذر منه أصحاب كل مشروع جاد، لا سيما إذا انبنى على أسس ربانية تعبدية، فلا بلوى أعظم من التفرق والتدابر. 
ينطلق حزب تواصل من الأسس المدنية المعتمدة على المرجعية الإسلامية الوسطية التي لا إفراط فيها ولا تفريط.
لا يخفى أن بعض متصدري المشهد التواصلي يركزون على أمور لا هي محل اتفاق من القادة، ولا محل تقبل من الجمهور، ولم يستطع المؤتمر الذي كان عامل الوقت فيه سيفا مصلتا، كما لم تكن إدارته بمستوى التطلعات تنظيما وتأطيرا، لم يستطع أن يضيق الهوة، ولا أن يقرب وجهات النظر، فضلا عن ذلك قلصت لجنة التعيين عن وعي أو غير وعي المنتسبين للفقه في الهيئات القيادية الذين هم مظنة التوسط والاعتدال وتمثيل المرجعية حال النزاع.
هكذا لم يعد المتابع يحتاج كثير تدقيق لإدراك أن بعض أنماط التعبير عن بعض مكونات الفكرة التواصلية ليس محل إجماع من التواصليين، وكم هي قصية عن التوسط والاعتدال، مشوشة على رسالة الحزب أبلغ تشويش.
تنال المسألة الحقوقية بشتى مكوناتها، خاصة الشرائحية، حظ الأسد من الأنماط التعبيرية مثار الجدل، التي أصبحت واقعا يفرض على عقلاء تواصل أن يتلافوه قبل فوات الأوان.
تلاف لا يكون من خلال تدوينات أو مقالات أو خرجات ممن يتقنون رصف الألفاظ وتنميق التعابير، مهدئين بلسان قالهم، معمقين الشرخ بلسان حالهم، ولا برفع فزاعة إنكار الحقوق، وحراسة الوهم، والتصنيف في نخبة القبائل، إلى غير ذلك من أنماط إرهاب المخالف في الفكر، كما لا يكون بإنكار المظالم، ولا بالتعايش مع الواقع الجحيم، إلى غير ذالك من أنواع المكابرة.
لا يعرف مناضلو حزب يتمتعون بمستوى الانضباط الذي يتمتع به مناضلو تواصل، غير أن ذلك لا يكفي لتجاهل حقيقة موت الأصنام، فمن ضحوا بصنم القبيلة وناصبوها العداء والجفاء غير نادمين، لن يتخذوا الشريحة صنما، والذين ردوا على مالك وابن القاسم والأشعري، لن يبتلعوا كل تنظير لا حجة تنبته ولا دليل يرسيه، كما أن الذين ثاروا على المجتمع بسبب الظلم والتهميش، من المنصف أن يكون رفضهم لذلك من الأخيار أقوى وأصرخ، لذلك يكون الملاذ في كلمة سواء، حروفها منح الحقوق، وألفاظها تغيير العقليات وتزكية النفوس، وجملها مؤاخاة الاندماج لا التمايز.
أخطر ما يصيب التجمعات المنظمة اصطفاف القادة العلني مع من يرون فيهم تعبيرا عن رؤاهم، في وقت تبدو فيه الرؤية العامة من خلال ما يثار في مختلف المنابر أنهم أحوج على الأخذ على أيديهم حين يتنكبون الوسطية في أمر ما.
لم يكن عزف احد القادة المربين سمفونية "نون النسوة" تعبيرا عن الإعجاب بأداء مثير للجدل موفقا:
امديغ اخديج للمسواك – لفتل بيه اسقم ثان
شكت عن ما نفهم ذاك – آن يخدج ديمان
وهو موقف يذكر بخروج مرب أكبر، يوم كثر اللغط في مسألة اللغات، فكتب: إن فلانا فوق الشبهات، ومتى كان الحي الذي لا تؤمن عليه الفتنة فوق الشبهات؟، فما أكثر طروء شبهة اختلال التصور في أمر ما!
ليدرك قادتنا أن ما هو موضع تدارك اليوم قد لا يكون كذلك غدا، وأن ممارسة سياسة النعامة خشية تربص الخصوم إن لم نقل الأعداء غير مجد، فتهديد الأركان من الداخل أنكى وأقوى، وقلما ضر قوما خصمهم ما كان بناؤهم صلبا، أما إذا تضعضع البناء فحدث ولا حرج، اللهم سلم سلم، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد!
المنتسب محمدن الرباني.